المرأة وتخلف نضرة المجتمع العربي لها

المرأة هي أكثر من لفظ يتم تداوله لتمييزها بيولوجيًّا عن الرجل، حتى في هذه الجملة السابقة التي كتبتها كان تمييزي واضحًا وحملت داخلها نوعًا من العنصرية والميول للفظ رجل، كان يمكنني أن أقول بدل ذلك إن المرأة أحد جنسي الإنسان.

هل نستعمل مثلًا لفظ رجل فقط لنخصص قولنا في جنس الذكور، لا أعتقد ذلك؛ لأننا في كثير من الأحيان يكون استعمالنا لعبارة ذلك الرجل تفسيرًا لما أصبحت تحمله عقولنا، حيث اعتبرناه هو الأساس وكأننا فطرنا عليه، والأنثى ما هي إلا شيء فرعي لا فائدة فيه.

كثيرًا ما أتأمل في محادثات الناس، في المقاهي والأسواق والمؤسسات، أغلب انفعالاتنا العفوية ومناداتنا للمجهول تكون بتلفظ كلمات تدل على الذكر، فنقول في وصف جمالها: «شوف زينها، عالم آخر يا الشيخ»، ونصيح مستغربين غلاء الأسعار: «يا بابا، الخضرة غالية تحرحر اليوم»، حتى في مؤسستنا التربوية تكون أغلب الاقتباسات والاستشهاديات من كتاب وشعراء، ونادرًا ما نجد أننا أتينا على ذكر عبارة لكاتبة أو شاعرة، وإن لزم الأمر وارتقى تفكيرنا قليلًا لنتذكرها ونعزمها على مأدبة عشاء تكون العبارة المشهورة لدعوتها: «أرواح وجيب معاك الدار»، فنحذف بكلمة صغيرة كل تلك الميزات التي وضعها فيها الله من جمال ومشاعر وحتى الفتنة لنحولها في الأخير إلى جماد لا روح فيه.

أرفع عيني قليلًا لأرى الماضي القريب، أتنهد طويلًا وأحمد الله على أن جانبنا الحيواني زال قليلًا، حيث إنهم على عكس جيلنا كانوا يستعملون قليلًا لفظ امرأة، لكن بطريقة أخرى أوحش من التي نستعملها الآن، وللأسف لم يحملوا أنفسهم عناء التفكير فيما يقولون، حيث ببساطة كانوا يجعلون لفظ «حاشاك» بعد لفظ امرأة، وكأنهم يتكلمون عن مجرى مائي، أو عن فضلاتهم القذرة التي هي مثل عقولهم.

والقضية أكبر من كونها قضية معاملة منطقة عربية وحيدة، بل هي على امتداد كل الدول العربية، كل منهم وكيفية معاملته لها بحقارة، من الأمثلة الكثيرة المأخوذة من أفواه الشعبيين في الدول العربية نجد: الراجل ابن الراجل اللي عمره ما يشاور مراته، صوت حية ولا صوت بنية، يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات، يا بسترها يا بقبرها، بنتك لا تعلمها حروف ولا تسكنها غروف، المرأة لو راحت للمريخ آخرتها للطبيخ، هم البنات للممات، أفعى متحزمة بإبليس، البنت بتجيب العار والمعيار والعدو لباب الدار، وتبقى القائمة طويلة، كل جيل وكيفية احتقاره للمرأة على امتداد التاريخ الذي لا ينسى.

علينا ألا نحاول إخفاء الحقيقة ونسير مع التيار، لنقول إن الجيل القديم جدًّا كان عاطفيًّا وكله رومانسية، ودائمًا ما يحاولون تحطيمنا نفسيًّا بأننا جيل متجرد من الأخلاق، كثيرة هي القصص التي تروى الآن من شيوخ يتكلمون فيها عن حياتهم العاطفية وتعاملهم مع المرأة، واحد يقول إنه لم ير امرأته إلا بعد عشرين عامًا من الزواج – ربما التعبير مبالغ فيه إلا أننا وإن قلنا إنه يراها يومًا في الشهر فهذا لن ينقص شيئًا-، قال إنه يعمل يوميًّا، يخرج من المنزل في الظلام، ويعود إليها في الظلام، لا يعرف في المنزل غير السرير، ولا يعرف منها غير الجنس، أي أنها لا تتعدى أن تكون شيئًا لإفراغ شهواته الجنسية لا أكثر، والغريب في الأمر أن الشيخ يروي وهو يضحك، ولو سألته لأخبرك أنه يفتخر بذلك، وأن تلك الرجولة بعينها، حتى وإن كانت مزحة منه والأمر ليس حقيقيًّا، لكن بمجرد أنه يخترع رواية مثل هذه بدون خجل فأكيد لن يختلف الأمر معه إن حدثت نسخة حقيقة عنها.

يمكننا أن نشاهد ببساطة مواقفنا السيئة ضد المرأة، رغم أننا دائمًا ما ندعي المساواة والرقي في التفكير والتعامل، نحن المجتمعات العربية على عكس المجتمعات الغربية، في المجتمعات الغربية يفكر الشاب بالزواج بعد أن يدرس، ويكون نفسه، ويتخرج، ويحصل على عمل، وعلى مبلغ معتبر مالي يبدأ به حياته، نحن عندنا العكس، إذا كان الشاب منحرفًا خريج سجون يزوجونه أهله من أجل أن يستوي ويسوي وضعيته، وعلى قول الشارع «نزوجوه باه يعقل»، عندنا الشاب يكبر على فكرة «المرأة تجييب معها رزقها»، وعلى هذا الأساس يتزوجها، يتزوجها ليأكل رزقها وبعدها يفكر بأن يواصل معها بالعبارة الشهيرة «ربي يفرج».

نحن مجتمع يتفنن في الوعظ ولا يعرف شيئًا منه، فنأتي بعبارات مشهورة من هنا وهناك، ونبدأ في استخراج الأعذار منها، فنرى بسهولة تهرب أغلبنا من هذا الموضوع ببعض العبارات التي لا تحاكي أبدًا جوهر موضوعنا، بتفاهة وبنبرة صوت عالية يرد عليك بأن الغرب هدفهم ليس حرية المرأة؛ بل هدفهم وضع الحرية للوصول إلى المرأة، وللأمانة عندما أتحدث مع شخص في هذا الموضوع ويأتيني بنفس العبارة، أسايره وأجيبه بنعم، هم يريدون حرية الوصول إلى المرأة ويصلون إليها، وتقبل هي بذلك، وتنشأ علاقة حب وغرام، غزل في الصباح وغزل في المساء، وفي الأخير حياة سعيدة، ونحن الذين لا نريد حرية الوصول إلى المرأة ماذا فعلنا، سجناها بين أربعة جدران، وأغلقنا عليها الباب إلى أن يأتي نصيبها، فنبيعها لرجل لا نعرف عنه شيئًا، ولا يعرف عنها شيئًا غير أنها عذراء بضمان عائلتها، ثم ينتقل سجنها من عائلتها لعائلة الرجل الذي اشتراها ليختلف روتينها الأول ويزيد عليه ممارسة الجنس، بالإضافة إلى الطبخ والتنظيف وغسل الصحون والملابس وتنظيف الحمام كل ساعة.

علينا أن نغير نظرتنا ونكف عن التصنع حقًّا، المرأة جزء من الرجل والرجل جزء من المرأة، علاقة الرجل والمرأة علاقة تكاملية ولا يمكن لعاقلين أن يختلفا في هذا الأمر، علينا أن نبادر نحن بالتغيير، ولا يجب أن ننتظر حكوماتنا التي لا تعرف شيئًا في حياتنا، أعتقد أنهم حتى وإن قرروا أن يمنحوا المرأة كل حقوقها لن يفعلوا أكثر مما فعله النظام التونسي، منحوها حقوقًا ناقصة وأصبحوا في كل مجلس يتكلمون عنها ليثبتوا شريعتهم، أي أن الأمر لم يتجاوز كونه قضية مصالح، وليست قضية حقوق حقًّا، الأمر أبعد من أن يكون مجموع عبارات كتبت على ورق تحدد حقوقها، الأمر يخص عقولنا وتفكيرنا وتعامله السطحي مع الأمور والقضايا.

التعليقات مغلقة.