امنح المرأة السلطة وستقوي النظام البيئي

تحتل النساء والفتيات موقع الصدارة في المعركة ضد تغير المناخ كمهاجرات ولاجئات، وإنما أيضًا بصفتهن مقدمات للرعاية.

نشأ أبو حسن، وهو راع من شمال سوريا، في مجتمع بدوي هادئ ومعزول إلى حد كبير عن دعم الدولة. كان ذلك حتى حلّ الجفاف ليدمر الهلال الخصيب لبلاد الشام الذي احتضن أقدم الحضارات الزراعية في العالم. نتيجة لذلك، تأثرت 60 بالمئة من الأراضي الزراعية في سوريا، وفقد الرعاة في شماليَ شرقيَ سوريا وحدها حوالي 85 بالمئة من ماشيتهم. أما أغلب سكان القرى، فانتقلوا إلى المراكز الحضرية.

لأول مرة في تاريخها العائلي، تخلت عشيرة أبو حسن عن مكان أجدادها، إذ انتقل معظم الرجال الأصحاء إلى المدن السورية بحثًا عن عمل. وانتقل الأب المتقاعد مع النساء والأطفال إلى مدينة القُصير القريبة، إلا أن أبا حسن فقد منزله حتى قبل عبوره الحدود إلى لبنان سنة 2013 في بداية “معركة القصير”. ويعد ذلك بالتحديد نوعا من النزوح الداخلي المزمن عبر جنوب العالم الذي وقع تجاهله من قبل الجهات الفاعلة الإنسانية وجهاز الدولة.

النزوح الداخلي:
معظم الأشخاص الذين ينتقلون بسبب تأثير المناخ يتشردون داخل الحدود. ووفقا لتقديرات البنك الدولي، من المرجح أن ينتقل ما يصل إلى 143 مليون شخص في جنوبيَ آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى داخل بلدانهم بحلول سنة 2050، بسبب مزيج من الصدمات المناخية وزيادة العنف.

مع ذلك، تَظهَر نماذج معقدة لقياس التأثير الفريد لتغير المناخ. وعلى سبيل المثال، قارنت دراسة حديثة بين تاريخ الطقس في 103 دولة وطلبات اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي، ووجدت أن الرقم سيتضاعف ثلاث مرات سنويا بناء على المناخ، بغض النظر عن الاضطرابات السياسية والاقتصادية في هذه الدول. كلما زادت التغيرات الجذرية في درجات الحرارة، ارتفعت معدلات الهجرة.

النساء والفتيات:
تحتل النساء والفتيات موقع الصدارة في المعركة ضد تغير المناخ كمهاجرات ولاجئات، وكقائمات على رعاية مجتمعاتهن المحلية وبصفتهن المبتكرات اللاتي يمكنهن الحد من تأثير المناخ.

مع تقدّم أبي حسن في العمر وموت ولديْه الأكبر سنا، تعدَ زوجات أولاده على وشك أن يصبحن المسؤولات الافتراضيات عن عائلاتهن. ويتنامى هذا الحال بشكل متزايد في المجتمعات النازحة، حيث تصبح النساء صانعات القرار الافتراضيّات، على الرغم من أنهن لا يتمتعن بالسيطرة على مستقبلهن الاقتصادي، وليست لديهن القدرة على التأثير على بيئاتهن المباشرة.

في أجزاء أخرى من العالم، مثل المجتمعات الزراعية في شرقيَ وغربيَ أفريقيا فضلا عن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كانت النساء موفّرات الغذاء التقليديّات ومعبّئات المياه والوقود. كما أنهن على دراية تامة بمخاطر تغير المناخ. ومع ذلك يعدَ وصولهنَ إلى امتلاك الأرض والدعم المالي أقل بكثير مقارنة بالرجال. وبالنظر إلى مبدأ عدم المساواة المتفشي، سيساهم تمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا في أن تصبح أكثر مرونة تجاه المناخ، وتكون قادرة على وضع حلول استباقية.

القيادة النسائية المثالية:
إن للشعور وراء المثل القديم “علّم رجلا تُعلّم فردا، وعلّم امرأة تعلّم جيلا كاملا” صدى قوي في ظل مبادرات تغير المناخ. ويبدو أنه عندما تمنح المرأة القوة كصانعة قرار، فإنك تُقوّي النظام البيئي للمجتمع بأكمله. ومن الأمثلة على ذلك، الجماعات المحلية التي تقودها الإناث واللاتي تبرزن كرائدات في مجال مصادر الطاقة المتجددة.

بداية من النساء “أصحاب المشاريع الخضراء” في مجتمعات راجستان القبلية، وصولا إلى منظمة “سولار سيستر” التي توفر الطاقة النظيفة في القرى الأفريقية، تخلق القيادات النسائية تأثيرًا ملموسًا على أنظمتهن البيئية المحلية والإقليمية. ويمكن للدول الصناعية وآليات الأمم المتحدة التي كثيرا ما دعت إلى تدابير “التخفيف” و”التكيف” أن تتعلم من هذه المبادرات التي تقودها مدنيّات. وتخفف النساء في هذه المجتمعات من تأثير الاستهلاك البشري على بيئاتهن بصفة عضوية، بينما يقمن أيضا بتدريب أجيال المستقبل على التكيف مع تضاريس النظم البيئية المتغيرة.

كانت هذه الجهود، عندما وقع دعمها باستمرار على مدى عقود، قادرة على عكس البصمة البيئية البشرية. على سبيل المثال، تظهر مبادرات التخضير وإعادة التحريج في الهند والصين وأجزاء أخرى مما يسمى بالجنوب العالمي، حيث غالبًا ما توفَر النساء الغذاء وتحمي البيئة، مما ساهم في زيادة المناطق الخضراء العالمية على مدى العقدين الماضيين.

يجب تمكين هذه الجهود على جميع مستويات العدالة المناخية، بما في ذلك السياسات المناخية الدولية والتمويل. وفي حال حصلت المرأة على نصيبها العادل، ببساطة من حيث الوصول إلى سوق العمل الرسمي، فيمكنها سد الثغرات الحالية في تمويل التنمية المستدامة.

التعليقات مغلقة.