دوناتيلا ڤيرساتشي تكشف عن باقة جديدة من العطور الفاخرة

0

شأن أغلب مدن إيطاليا، تتمتع ميلانو بتاريخ حافل، ولكنها تميل إلى إخفاء كنوزها خلف الجدران والممرات، على خلاف المدن الأخرى. وشارع ڤيا جيسو خير شاهد على ذلك، إذ كان سكناً لأفراد الطبقة الأرستقراطية في الماضي، بينما تصطف على جانبيه حالياً المتاجر الفاخرة، والمتاحف، وفندقٌ من فئة الخمسة نجوم، وغير ذلك من مقار الإقامة الخاصة. بيد أن أشهر معالمه هو قصر ’بالاتزو ڤيرساتشي‘ الذي تزينه أبواب ريفية الطابع نُحِتَت عليها رؤوس ميدوسا.
وفي هذا القصر، الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن عشر، تقع صالة عرض ڤيرساتشي وشقة من غرفتين كانت من قبل ملكاً لمؤسِّسها، جياني ڤيرساتشي. واليوم، دبّت الحيوية في المكان من جديد حينما ضجت جنباته بالدردشات والأحاديث إثر استقباله نخبة مختارة من الشخصيات بمناسبة الاحتفال بإزاحة الستار عن عطور ’أتلييه ڤيرساتشي‘. وفي المدخل الرئيسي ينتصب دَرَج منحنٍ يُفضي إلى قاعة عصرية ذات جدران بيضاء وأرضيات رخامية مربعة، تتميز بخلفية زاهية توحي بالطبعات المبهرجة التي تشتهر بها العلامة. وداخل إحدى القاعات الرحبة، أخذ النُدل يقدمون المشروبات ترحيباً بالضيوف. وبفضل ملامحهم الوسيمة وستراتهم البيضاء المجعدة والمرصعة بالأزرار الذهبية، بدا هؤلاء مثل عارضين عادوا لتوّهم من تصوير حملة لعلامة ڤيرساتشي.

ويقدم أتلييه ڤيرساتشي في باكورة مجموعاته العطرية ستَ روائح عصرية، من إبداع عدد من ألمع خبراء صناعة العطور على مستوى العالم. واختارت تلك الروائح دوناتيلا ڤيرساتشي بنفسها، كبيرة مسؤولي الإبداع في الدار. وفيما كان يجري تقديم جميع التوليفات وصُنّاع العطور، أثيرت من جديد مسألة التعطّر بطبقات عطرية مختلفة، فأعلن صوت أجش أتى من آخر القاعة: “أنا أضعُ العطور جميعاً معاً”. ثم سرى جو من البهجة، إذ انضمت إلينا دوناتيلا ڤيرساتشي، بخفّة شديدة ودون أي يلمحها أحد.

ولا يمكن لأحد ألّا يتعرف إليها فوراً بشعرها الأشقر البلاتيني الذي ينسدل تحت كتفيها تماماً. وحين وقفت، كشفت عن جسم ضئيل وقوام ممشوق، فيما كانت ترتدي فستاناً مزيناً بأشكال زاهية وحذاءً بكعب شاهق. وأخذنا نتبعها عبر متاهة من القاعات الممتلئة بعرائس المانيكان يرتدين بعضاً من أكثر التصاميم الأيقونية للدار. وفي إحدى القاعات، شاهدنا الفساتين ذات السلاسل الذهبية الشبيهة بالدروع التي عُرضت ضمن مجموعة ڤيرساتشي لربيع وصيف 2018 – والتي كرستها المصممةُ للاحتفاء بشقيقها الراحل. ثم دلفنا قاعة مصممة مثل الأتلييه، حيث ارتدت العارضات الفساتين المطرزة بالخرز التي ثبتها الخياطون بالدبابيس. وتتحدث دوناتيلا عن العطور قائلةً: “أردتُ أن أصنع باقة عطرية تبدو وكأنها مصنوعة خصيصاً لصاحبتها، مثل الفساتين التي نبتكرها. وهي عطور تحمل أعزّ ذكرياتي”.

وُلدتْ دوناتيلا بمدينة ريدجو كالابريا بجنوب إيطاليا، لأب يعمل بائعاً وأم خياطة، وكانت الطفلة الصغرى بين أربعة أطفال. وتسبح بخيالها بعيداً وتقول: “تعود أولى ذكرياتي عن العطور لوالدتي. أعلمُ أنه شيء بديهي إلى حد ما، ولكن أمي كانت امرأة استثنائية. وكانت مثلاً أعلى لي ولأشقائي. إن قوتها، وإصرارها على النجاح بالاعتماد على نفسها، وتحديها الدائم لأقسى الصعاب، كان أول درس تعلمتُه في الحياة”. وكان لوالدتها دور كبير في ما حققه اسم ڤيرساتشي من نجاحات؛ فبفضل إرشاداتها صنع جياني أول فستان له في التاسعة من عمره، ليبدأ الأساس الراسخ الذي بنت عليه عائلة ڤيرساتشي قواعدها.

ربما تقع الأزياء في مقدمة النشاطات التجارية للعائلة، ولكن الأمر نفسه ينطبق على العطور. وبسؤالها عن ما تمثّل العطور لها، أجابت دوناتيلا بعد تفكير عميق: “إنها تُعبر عن الذات بطريقة ما، حتى عندما كنا صغاراً، كان اختيار العطر دائماً مسألة مهمة. وأعتقدُ أن هذا هو سبب ما يُقال بأن اختيار العطر أمر يتعلق للغاية بالإنسان”. وبالنسبة لها، لم تكن المسألة مجرد العثور على توليفات مثالية. تقول: “لطالما أحببتُ خلط العطور المختلفة معاً لأني لا أريد أن أكون مثل أي شخص آخر. ولا أستخدمُ أبداً عطراً واحداً. ولي طريقة خاصة في التعطر، عبر مزج الزيوت العطرية للجسم مع أنواع مختلفة من العطور لتكون النتيجة عطراً فريداً وفي الوقت نفسه شيئاً مختلفاً قليلاً كل يوم”. ويشار إلى أن مزجَ التركيبات العطرية المختلفة تقليدٌ شائع في ثقافة الشرق الأوسط التي قد تمزج جميع العطور الستة المعروضة معاً.


وكل عطر فريد من نوعه، سواء المنعش أم الزهري أم الخشبي، ما ينطلق بصاحبته في رحلة استثنائية لتجربة الروائح الجميلة. تقول دوناتيلا: “إذا وُضعت نفحة في المكان الصحيح، هنا أتأكدُ أنها أنسب رائحة”. وتتدفق من عطر ’سيدرا دو ديامون‘ نكهةُ الليمون الإيطالي، والغريب فروت الوردي، والأخشاب الطبيعية؛ أما ’إيكلا دو روز‘ فيحتفي برقة زهور سنتيفوليا المغربية؛ بينما يفوح عطر ’جاسمين أو سولاي‘ بأزهار الياسمين الهندية الرقيقة التي تُجمع حصرياً وقت شروق الشمس. ويأتي عطر ’فيغ بلانش‘ القوي –الذي يمزج بين نفحات التين الطازج والبرغموت وزهر البرتقال- ليمنح شذاً رائعاً، فيما يُعمق الياسمين وبتلات الزهور من رائحته. وبالنسبة لعطر ’سانتال بوازيه‘، فقد صنعته العلامةُ من خشب الصندل السريلانكي، والزيت العنبري لشجر غورجون، والزعفران لابتكار تأثير يشبه العود. وفي النهاية يأتي ’ڤانيل روج‘ الذي استلهمه صانع العطور جوردي فيرناندز من “تعقيدات الروائح التقليدية للشرق الأوسط”، ويبدأ العطر سرد مكوناته بالفانيلا مع لمسة خفيفة من حلوى البرالين، بجوار طبقة من المسك، قبل أن تظهر بغتة نفحة وردية مغرية.

وتهوى دوناتيلا الروائح الزهرية، وهو ما يبدو بجلاء في الورود التي تزخر بها العطور الستة. تؤكد: “لديّ مئات من قوارير العطور الزهرية والزيوت في منزلي، وأستمتع بمزجها معاً لابتكار روائح جديدة. أنا مهووسة بها”. وبسؤالها عن أكثر عطرين تُفضل مزجهما من هذه الباقة، تجيب: “’سيدرا دو ديامونت‘ و’إيكلا دو روز‘”.
ومثل أناقة الأتلييه والخامات التي تستخدمها العلامةُ في صناعة الأزياء، صُنعت هذه العطور من أرقى المكونات الخام. توضح دوناتيلا: “أرى أن كل شيء يرتبط بالعناية التي نوليها لكل ما نصنعه. وبقدر ما يستغرق صنع فستان في أتلييه ڤيرساتشي عدداً محدداً من الساعات ويتطلب أيادٍ خبيرة، أنتِ في حاجة أيضاً إلى الخبرة والأنف المدربة البارعة لصنع الروائح المثالية”. وتتجلّى هذه العناية أيضاً في العبوات المصنوعة يدوياً، فقد استلهمت الدارُ قوارير عطورها هذه من الأعمدة الكلاسيكية الحديثة، وجاءت ثرية بزجاج مصمم بتقنية انحنائية مبتكرة، وهي جزء لا يتجزأ من هوية ڤيرساتشي. تقول: “أردتُ التلاعب بالمتناقضات: زجاج مسنفر وآخر شفاف، أبيض وأسود، وهما لونا الروائح نفسها. هذا فضلاً عن الغطاء الذهبي الذي يحرسها جميعاً، لأن كل قارورة تحوي عطركِ الغالي الثمين الذي يخصكِ وحدكِ”.

وتهيمن فكرةُ العائلة على جميع مشاهد الحملة، مع خياطي ڤيرساتشي الذين أصبحوا نجوم العرض. ونراهم يضعون الدبابيس في الفساتين، ويلتقطون الصور مع العارضات، ويجربون العطور على نغمات افتتاحية أوبرا ’دون جيوفاني‘ للموسيقار موتسارت. وقد عادت إحدى الخياطات إلى زميلاتها بعدما نثرت عطر ’فيغ بلانش‘ أمام الكاميرا، وقالت: “أوه، رائحته لطيفة حقاً!”. ولا شك أن دوناتيلا خبيرة في الموازنة بين المرح، والأزياء، والآن العطور. وقد حققت المعادلةَ الصعبة في الحفاظ على الأصالة، وهو ما لا يجيده كثيرون. باختصار، إنه أكثر شيء برعت فيه ڤيرساتشي

المصدر : مجلة فوغ

اترك رد