سيلڤيا ڤينتوريني فندي تحتفي بالراحل كارل لاغرفيلد في عرض مجموعة أزيائها الراقية بروما

فستان ضيق مصنوع من الصوف الحريري، وحذاء، وخواتم من مجموعة فندي للأزياء الراقية. الصورة بعدسة ستيفاني باباريلي لعدد نوفمبر 2019 من ڤوغ العربية

صرحت سيلڤيا ڤينتوريني فندي قبل ساعات معدودة من انطلاق عرض مجموعة أزيائها الراقية لخريف وشتاء 2019 في معبد ڤينوس الذي يقبع فوق تل بالاتين بروما حيث قالت “إن أفضل طريقة نحتفي من خلالها بكارل الليلة هو أن نقدم عرضاً على هذا التل، حيث بنى جميع الأباطرة ديارهم. فهو يستحق أن يكون بينهم لأنه، بالتأكيد، لم يكن مجرد قيصر في فندي، بل إمبراطور عظيم”.
وقع الاختيار على هذا المكان، الذي بدأ منه تأسيس مدينة روما، كي يحتضن عرض الأزياء هذا بالاتفاق بين فندي ولاغرفيلد، وهو اختيار موفق للغاية. ولا تمثل مجموعة “دون أوف رومانيتي” (فجر الحضارة الرومانية) آخر ما تفتقت عنه إبداعات لاغرفيلد فحسب، وإنما تسهم أيضاً في مولد العلامة مجدداً. “نحن الآن بصدد كتابة صفحة جديدة في تاريخ علامتنا بعد 54 عاماً دأبنا على العمل خلالها مع كارل”، هكذا أوضحت سيلڤيا، مضيفةً “إنه أشبه بمشهد شيء جديد”.

شارك في هذا العرض 54 عارضة، وهو نفس عدد السنوات التي عمل خلالها لاغرفيلد لدى فندي، وهي أطول فترة لأي دار على الإطلاق. وأخذت العارضات يتهادين على منصة مزخرفة ومكسوة بالرخام على سفح معبد ڤينوس، آخر ما تم ترميمه من الكنوز الرومانية من قبل دار فندي. وفي الخلفية، صدحت موسيقى رقيقة ملأت أصداؤها أركان المكان، موسيقى تدعو للتفكّر والتأمّل، إلا أنها أيضاً بعثت الأمل في النفوس. ولم يكن هذا العرض قطعاً وداعاً للمصمم المبدع فحسب، بل وحدث من شأنه أن يغير قواعد اللعبة في عالم الموضة والأزياء، ويحدد معالم النهج الجديد للشركة

معطف يتخذ تصميم الكاب مصنوع من الفرو الاصطناعي، وحذاء، وخواتم من مجموعة فندي للأزياء الراقية. الصورة بعدسة ستيفاني باباريلي لعدد نوفمبر 2019 من ڤوغ العربية

وفي حين أن لاغرفيلد قد أدلى بدلوه وقدم ما لديه من أفكار فيما يخص هذه المجموعة قبل أن يرحل عن عالمنا يوم 19 فبراير 2019 عن عمر يناهز 85 عاماً، إلا أن العرض جاء مصطبغاً تماماً بذوق ڤينتوريني فندي. “إنها أول مجموعة لنا بدون كارل [كانت مجموعة خريف وشتاء 2019 للأزياء الجاهزة آخر مجموعة له مع فندي]، وهذا ما يجعلها تحمل أهمية خاصة بالنسبة لنا”، هكذا أوضحت ڤينتوريني بينما كانت تجلس بأريحية في غرفة معيشة مؤقتة بالمقر الرئيسي لفندي في قصر بالازو ديلا سيڤيلتا إيطاليانا. يذكر أن هذا المبنى العملاق، الذي أمر ببنائه الديكتاتور بينيتو موسوليني، أصبح الآن مركزاً لانطلاق الموضة والأزياء بعدما أزيلت عنه كل علامات الفاشية، ومنارة تبرهن على نجاح هذه الصناعة في المدينة.

ولم يكن تحوّل ڤينتوريني فندي إلى عالم الأزياء الراقية مفاجئاً بل ولم تواجه في ذلك أية مشقة، كونها بالفعل مديرة إبداعية للإكسسوارات والأزياء الرجالية وأزياء الأطفال، وهو تحدّ تستطيع أن تحمله على عاتقها بكل سرور. “بالطبع، أشعر بأني مضغوطة، كما هو الحال مع كل مجموعة. نعم، تقع على عاتقي مسؤولية كبيرة، ولكني معتادة على هذا الأمر. فأنا مدربة جيداً، وواثقة تماماً فيما تعلمته”.

ولطالما أشارت ڤينتوريني فندي إلى لاغرفيلد باعتباره مرشدها ومعلمها. عُيّن لاغرفيلد عام 1965 من قبل الأخوات فندي، وكانت من بينهن والدة ڤينتوريني، واسمها آنا. وفي العام نفسه، صمم كارل شعارَ FF الأيقوني للدار في غضون ثوان معدودة. وكانت ڤينتوريني صبيّة بنت خمس سنوات آنذاك، فأعجبت به إعجاباً جماً على الفور. “كل ذكرياتي منذ ذلك الحين يشكل لاغرفيلد جزءاً منها”، هكذا قالت بكل حبّ، مضيفة “كنت أتفهم أنه لم يكن فرداً من عائلتي، ولكنه كان شخصاً مميزاً جداً جداً. ولم يكن متواجداً على الدوام –حيث كان دائماً ما يأتي ويذهب– ولكني شعرت أنه عليّ أن أكون جزءاً من حياته. أدركت أنه من أهم الأشخاص بالنسبة لوالدتي، لذا أردت أن أكون مهمة بالنسبة له بقدر أهميته بالنسبة لوالدتي. كان يسره أن يرى فتاة صغيرة مثلي في المشغل وليس في المنزل تلهو مع أخواتها أو صديقاتها”.

لو كان الوقت يتسع، لأخذتْ ڤينتوريني تتحدث إلى ما لا نهاية عن ذكرياتها الجميلة مع لاغرفيلد. ولكن ما أن أصبح العرض وشيكاً حتى أنهت حديثها قائلة: “إنها قصة طويلة، ولكن ممتعة”. كان بين لاغرفيلد وڤينتوريني رباط موصول لا ينقطع أبداً، فالمصمم هو من ساعدها في تشكيل وجدانها لتصبح تلك الأيقونة الرائعة في عالم الموضة والأزياء التي نراها اليوم. “لقد علمني ألا أرضى أبداً عن شيء. وتعلمت منه ألا أعتقد أنني حققت أي إنجاز، وأن أنظر لكل مجموعة باعتبارها بداية جديدة على الطريق. ففي اللحظة التي تنتهي فيها من مجموعة ما، عليك أن تثبتي جدارتكِ في التي تليها”. وترى ڤينتوريني أنه بذلك يتجدد نشاطها، كما أثنت على روح الدعابة الرائعة التي كان يتمتع بها، مشيرة إلى أنها كانت تجعل العمل أكثر إمتاعاً. قالت: “العمل معه كان شيقاً وممتعاً”، وأردفت: “كنا نعمل حتى ساعات متأخرة من الليل، وفي العطلات الأسبوعية –فعالم الأزياء لا يعرف التوقف– ولكننا لم نشعر بعبء ثقيل من جهة العمل، فقد كنا نقضي أوقاتاً ممتعة فيما كنا نعمل”.

سترة من الصوف الحريري، وقميص وبنطلون من الأورغنزا بطبعات رخامية مع شريط جانبي من التول، وحذاء، وحقيبة كلاتش من مجموعة فندي للأزياء الراقية. الصورة بعدسة ستيفاني باباريلي لعدد نوفمبر 2019 من ڤوغ العربية

ثمة درس آخر لا يزال صداه يدوي بقوة، ألا وهو رفض لاغرفيلد النظر للوراء – فقد كان دوماً يمضي قدماً نحو المستقبل، وهي ميزة اصطحبتها فندي ڤينتوريني معها في مجموعة “دون أوف رومانيتي”. تقول: “إنها أول مجموعة لنا بدون كارل. لذا، أردتُ أن أهديها لروحه، ولكن الاحتفاء بكارل ليس سهلاً، الاحتفاء الوحيد الذي كان سيحبه هو أن يرى شيئاً جديداً”، هكذا قالت موضحةً أنه رغم أنها عادت للمجموعات الأرشيفية لتلقي نظرة عليها وتستلهم منها، فإن مجموعتها الجديدة جاءت بعيدة كل البعد عنها. “الجميع يعرف أن كارل لا يحب الحديث عن الماضي. لذا، حاولت أن أبتعد تماماً عن ما قدمناه في السابق”. ولم يكن هذا عملاً سهلاً على الإطلاق، “فقد أردتُ أن أعود لجذور العلامة، ولكن كارل يفرض وجوده عليها جميعاً. فالحديث عن فندي لا ينفك عن الحديث عن كارل”.

استلهمت فندي ڤينتوريني مجموعة أزيائها الراقية، التي تضمنت 21 قطعة بلا فراء، من نقوش العمارة الرومانية ومن كتاب “مارمور رومانا” للمؤرخ الإيطالي رانييرو غنولي الذي يعرض ما في الأبنية الكلاسيكية القديمة من فن وبراعة. وجاءت النتيجة متجسدة في مجموعة تغوص في روعة الرخام والتصاميم الهندسية ذات التأثيرات الفسيفسائية، بالإضافة إلى المعالجة بالقص بالليزر التي تتسم بالتعقيد، ناهيكِ عن التطريز بالخرز. وتضمنت المجموعة فساتين ذات خطوط حياكة عريضة، وباقة أنيقة من الفساتين الإمبراطورية ذات الوسط العالي والأكتاف المشدودة والياقة مكشوفة الصّدر الثرية بالمظهر الغرافيكي. كذلك، أخذت المجموعة طابع أزياء فترة الستينيات، ربما في إشارة إلى الوقت الذي انضم فيه لاغرفيلد إلى العلامة. وبالنسبة للإكسسوارات، فكما أذهلتنا بحقائبها الراقية، ها هي تعود لتذهلنا مرة أخرى بحقائبها الأيقونية مستطيلة الشكل. وبوجه عام، تحتفي كل الإطلالات بسحر المرأة الرومانية وجمالها.

فستان وخاتم من مجموعة فندي للأزياء الراقية. الصورة بعدسة ستيفاني باباريلي لعدد نوفمبر 2019 من ڤوغ العربية

تقول: “بالنسبة لي، أردتُ أن أظهر امرأة اعتادت أن تعيش والجمال محيط بها من كل مكان، امرأة لا تريد أن تمر مرور الكرام دون أن تلفت بجمالها انتباه الحاضرين وسط كل هذه الجدران والفنون والنماذج الجصية الفاتنة. امرأة تريد أن تبرز وتتميز وسط كل هذا الجمال وتستشعر ثقتها بنفسها. امرأة هيئتها وأزياؤها دائماً مثيرة للإعجاب ومختلفة ومنتقاة بعناية”. ولكن، هل تثق ڤينتوريني في أن ما تقدمه كان سينال استحسان لاغرفيلد؟ عن هذا السؤال، أجابت بكل رقة قائلة: “حسناً، من يدري؟! أعتقد ذلك. فأنا أعتقد أنه فخور بي، وإلا لم يكن ليطلب مني أبداً الانضمام إليه في مشغله الإبداعي لأكون بجانبه. إنه كان يعي كم كنت متفانية ومجدة في عملي”.

وتفخر المديرة الإبداعية أيضاً بجهود الدار في الحفاظ على كنوز مدينتها – حيث تم تأسيس فندي روما في مدينة روما عام 1925. تقول: “تحتاج المدينة لمزيد من الرعاية. ونرى أنه من الجيد أن نرد لها الجميل، فقد منحتنا الكثير من الإلهام”. وفي هذا الإطار، عمدت الدار إلى تمويل الكثير من عمليات الترميم التي شهدتها أشهر المعالم الأيقونية بروما، بما في ذلك ترميم نافورة تريڤي عام 2015. وفي العام التالي، استخدمت الدار هذا المعلم كخلفية لاحتفالاتها بمناسبة مرور 90 عاماً على إنشائها. كما تبرعت بمبلغ 2.5 مليون يورو لترميم معبد ڤينوس وحمايته – ذلك الموقع الخلاب الذي اختارته العلامة لعرض مجموعتها للأزياء الراقية.

معطف مصنوع من الجلد والمنك، وحذاء، وحقيبة كلاتش، وقرطان من مجموعة فندي للأزياء الراقية. الصورة بعدسة ستيفاني باباريلي لعدد نوفمبر 2019 من ڤوغ العربية

وتتباهى فندي بإرثها الذي يضم كارل لاغرفيلد أيضاً. وربما كتب رحيلُ هذا المصمم الأسطوري النهايةَ لواحدة من أطول قصص الحب في عالم الأزياء والموضة، ولكن بكل تأكيد لن تذهب إسهاماته في هذا المجال في طيّ النسيان لتصبح مجرد ذكرى. وإذا كان عرض الأزياء هذا يؤكد على أي شيء، فهو يؤكد أن لاغرفيلد هو أسطورة فندي التي لن تنساها الدار كما لم تنس وطنها الأم.

التعليقات مغلقة.