عزة سليمان نجمة غلاف مجلة هاربرز بازار العربية في شهر مارس

تعجز كلمات عزة سليمان عن التعبير عن حماسها لعام 2021، فتقول مبتهجة: “هذه هي السنة التي أحقق فيها نفسي، أنا سعيدة للغاية حالياً ومتفائلة حول ما ينتظرني”. وتساورها المشاعر ذاتها حيال الماضي، حيث تروي قصة نشأتها في تونس بحماس كبير واصفة روعة الحياة وسط المناظر الطبيعية المتنوعة من “الصحراء والشواطئ الجميلة وتراث المدينة القديمة”. والدها يعمل في صناعة العطور وأمها ربّة منزل، وهي الأصغر في عائلة مكونة من ثماني فتيات، أكبرهن في الأربعينيات من عمرها، حيث تعطي انطباعاً مليئاً بالبراءة والسحر مشيدة بوالدتها الشاذلية كصديقتها وقدوتها في الحياة.

تتميز عزة بإطلالة شابة وبشرة نضرة، ويغمرها شعور بالبهجة تجاه كل ما حولها، فهي تستعد لإصدار فيلمين ومسلسل تلفزيوني جديد في رمضان، بالإضافة إلى إطلاق تشكيلتها الخاصة للعناية بالبشرة ومشاركتها في عدد من الحملات الفاخرة. وتحرص عزة على مساعدة الآخرين، حيث دوّنت أسماء الشابين التونسيين اللذين صمما قميصها الأبيض البسيط وسروالها القصير على ورقة صفراء ورفعتها على الشاشة أثناء مكالمة زوم (القميص من فيرسس للملابس الرياضية والسروال القصير من سيكرت انتمت).

وهي نفسها الشابة بعمر الرابعة والعشرين التي تألقت في جلسة تصوير غلاف مجلتنا قبل 24 ساعة، لتخطف الأنظار دون أي عناء بفساتين أنتوني غريماندي ومجوهرات “كارتييه وسط صحراء دبي. “أحببتُ تجربة التصوير في منطاد الهواء الساخن مع الأزياء الملونة والمرحة، ويكفيني سعادة إنه غلاف مجلة هاربرز!”، لتتابع وتروي لنا جانباً مميزاً من التجربة: “شعرت أنني طفلة من جديد، كانت تجربة تجمع بين البراءة والجرأة”.
وتتغير ملامح وجهها عند الحديث عن المساواة بين الجنسين والروحانية لتكشف عن امرأة حكيمة تكبر عمرها بسنوات.
ربما يعود نجاح عزّة اللافت إلى شخصيتها اللطيفة والاحترافية التي جذبت أسطورة الموضة الراحل عز الدين علية، حين دعاها للبقاء في مشغله ومنزله في باريس، عندما كانت في العشرين من عمرها قبل أشهر من رحيله في نوفمبر 2017. التقى الثنائي بينما كانت عزة تحاول الحصول على عقد عمل مع وكالة نكست مودل الأوروبية ، حيث كانت تبحث عن فرص عمل في تونس أثناء دراستها لإدارة الأعمال، لكنها كانت تطمح نحو العالمية.


“التقيت به صدفة في تونس، حيث ضغط على وكالة نكست لتوقيع عقد معي في باريس، لذا تم استكمال العقد خلال يومين بينما كنت أنتظر شهوراً قبل ذلك”.
كانت هذه الفرصة الكبيرة التي تنتظرها عزّة، حيث تقول متعجبة: “لم يسبق لي صعود الطائرة أو السفر للخارج، وكنت متوّجهة إلى منزل  عز الدين عليّة لأنه أراد أن أكون مصدر إلهامه لتصميم الأزياء”. أرادني أن أبقى في منزله، هذا ما فعله فقط مع نعومي كامبل. لقد خصص غرفة من أجلي ودعاني ملهمته ولقبني النبتة الجميلة”.
وبينما قارنت عزّة بين قصتها وقصة نعومي كامبل مع المصمم التونسي قبل 30 عاماً، حظيت عزّة بفرصة لقاء عارضة الأزياء شخصياً: “قضيت ثلاثة أيام معه، وفي ذلك الوقت كان يصوّر مقابلة مع نعومي كامبل، كنت أشاهد المقابلة التي تم تصويرها في مطبخه، وكانت المرة الأولى التي أشهد فيها عملاً احترافياً كهذا”.
للأسف كانت هذه مقابلة عز الدين الأخيرة. “ذهبتُ إلى تونس لإحضار ملابسي والعودة إلى باريس، وهناك، تلقيت خبر رحيله المحزن”. تبقى عزة صامتة لبضع ثوان، ربما تفكّر في الفرص الضائعة الممزوجة بألم الوداع.

وتتابع متأثرة: “أشعر بأنني محظوظة للغاية لأنني حظيت بفرصة لقائه والتعرف عليه قبل رحيله، لقد عاملني كإبنة له، حيث خشيت في البداية من طريقة تعامله، لأنه شخصية مشهورة وأنا مجرد شخص عادي، لكن بالعكس تماماً تحدثنا عن الكثير من الأشياء الشخصية، وشاهدنا ناشيونال جيوغرافيك معاً بينما كان يعمل على الفستان، وسألني عن عائلتي ونشأتي. وعلى الرغم من أنها كانت ثلاثة أيام فقط، إلا أنها كانت تجربة مميزة للغاية”.
مهدت هذه التجربة الطريق أمامها لمسيرةٍ في عالم الأزياء لم تكن عزة لتحلم بها إلا في أيام المدرسة حين كانت تقضي دروسها الرياضية وهي تتقن مشيتها بدلاً من التدرب. بعد أسابيع قليلة من إقامتها في باريس، قررت الانتقال إلى المدينة، حيث كانت تجوب الشوارع في تصاميم يوجي ياماموتو تكريماً لعز الدين لتظهر بعدها لأول مرة في عرض أزياء لعلامة شانيل. “لقد كان عرض أزياء شانيل لحظة هامة للغاية بالنسبة لي، وكان يمكن للحضور رؤية الدموع تلمع في عيوني على الخشبة، كنت أعيش الحلم الذي تحقق بلمح البصر”.
ربما بلمح البصر، لكن ليس بمنتهى السهولة، فمسيرة عزة نحو النجاح لم تكن سهلة كما تبدو. “عارض والداي رغبتي بعرض الأزياء، حيث كنت أقوم بذلك سراً في البداية، كانوا يكرهون هذا المجال لأنهم يتعبرونها بيئة غير آمنة ولا تليق بي كعربية، وكان همهم أن أكمل دراستي. كان هذا بدافع الخوف والحماية”.
واصلت عزة مسيرتها متسلحة بإصرارها، لتكلل نجاحها بعرض لعلامة شانيل. “لفتهم عملي الجاد كامرأة مستقلة وقوية، ثم بدأوا بتشجيعي ودعمي”.
لكنها واجهت نوعاً جديداً من المشاكل في القطاع. “في تونس، واجهت الكثير من التعليقات السلبية، حيث كانوا يقولون لي أنه لا يمكنني أن أصبح عارضة أزياء عالمية، فهم يفضّلون عارضات الأزياء النحيلات ذوات الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، وعندما كنت جديدة في باريس، ربما لم يقع الاختيار علييّ في بعض الأوقات لأنني عربية، حيث كانوا يعجبون بي حين كنت أجري تجارب الأداء، وعندما أفصح عن هويتي كنت أتفاجأ بأنني لم أحصل على العقد، وكنت أتساءل إن كان السبب يتعلق بي أم بشكلي”.
وتمسكت عزّة بفكرة أن القطاع يشهد تغييرات كبيرة. “أما اليوم، أفوز بفرص العمل لأنني عربية، فهم يريدون المزيد من التنوع. وأعتقد أن هذا يعود لحركة حياة السود مهمة، حيث نشهد ظهور الكثير من العارضات ذوات البشرة السوداء أو ذوات الحجم الزائد. وقد يكون هذا التوجه مجرد صيحة مؤقتة بالنسبة لبعض العلامات التي تحاول تحسين صورتها، وهذا ليس بالأمر الجيد ولكنهم يساهمون في توفير الفرص على الأقل”. مرّت عزّة بالكثير من المصاعب بالنسبة لعارضة أزياء شابة، حيث كانت خلال رحلتها تحمل في أعماقها حسرة عادت عليها بنتيجة إيجابية واحدة، وهي تسريحة شعر جديدة.

لقد كان شعري طويلاً جداً قبل أن أقوم بقصه بالكامل، أعلم أن قص المرأة لشعرها كردة فعل على مشاعرها أمر مبتذل، لكنه حقيقي. فعندما انتقلتُ إلى باريس كنت قد خرجت لتوي من علاقة سيئة في تونس، وكنت محطّمة ووحيدة وأشعر بالغربة. لكنني حاولتُ أن أستعيد قوتي وأنطلق في حياة جديدة، فعندما كنت أنظر في المرآة، كنت أتذكر تلك المرحلة السيئة من حياتي. لذلك عندما قصصت شعري، وجدت ذاتي وهويتي من جديد”. ومن هنا ولد شغفها الجديد بالروحانية: “كان موقع يوتيوب رفيقي الوحيد في باريس. وكنت استمع لأغاني التأمل ومقاطع التحفيز لاستمد منها الإلهام، هذا ما جعلني أنطلق نحو الحياة مجدداً، “وهكذا بدأت رحلتي مع الروحانية التي كانت بلسماً شافياً لي”.
أصبحت عزة خبيرة في العناية بالنفس، فهي تتبع حمية غذائية نباتية، وتمارس المشي والتأمل ولديها مدرب خاص للحفاظ على صحتها ولياقتها. “لست مهووسة بالرياضة، لكنني أمارسها حسب رغبتي دون أن أضغط كثيراً على نفسي”.

وخلال رحلتها للعثور على نفسها، صادفت عزة حب حياتها، فهي الآن مخطوبة لرجل الأعمال الفرنسي التونسي نديم الذي التقت به قبل 15 شهراً، وتطورت علاقتهما عندما اضطرت للبقاء في تونس في مثل هذا الوقت من العام الماضي بسبب أزمة كوفيد-19، حيث كانت عزة، التي انتقلت إلى نيويورك، في زيارة إلى بلدها خلال شهر مارس الماضي، لتبقى في منزل العائلة منذ ذلك الحين وتلتقي بنديم يومياً خلال الحجر الصحي.

أتاح لها وجودها في تونس المزيد من الوقت للتركيز على التمثيل، فإلى جانب إصدارين سينمائيين، تقوم حالياً بتصوير البرنامج التلفزيوني لِس مليونيرز، وهو مسلسل رمضاني سيُبث في تونس والجزائر والمغرب وليبيا. “إنه نوع من الكوميديا السوداء، مثل مسلسل فريندز، يتخللها القليل من الدراما والأكشن، وهي المرة الأولى التي أشارك فيها في عمل هكذا، حيث كانت لي تجربة واحدة فقط الدراما، لذا كان الأمر بمثابة تحدي. إنه إنتاج ضخم من بطولة بيونة، الممثلة الجزائرية الشهيرة التي يشرفني العمل معها، بالإضافة إلى نخبة من الأسماء اللامعة الأخرى”.

بعد انتهاء التصوير، ستعود عزة إلى نيويورك لتواصل مسيرتها في عرض الأزياء وتتابع الدورات الدراسية التي بدأتها في مجال الأزياء والأفلام المستدامة، وتعمل على خطها الجديد من المنتجات الطبيعية للعناية بالبشرة. عزة أيضاً سفيرة لمبادرة نو مور بلاستيك التي تعاونت معها لإطلاق تشكيلة من الأحذية الرياضية الصديقة للبيئة: “سيتم إنتاج التشكيلة في لوكسمبورغ حيث يتم احترام المنتجات الطبيعية ولا توجد أيّة عبوات بلاستيكية قابلة لإعادة الاستخدام، وهذا أمر هام جداً بالنسبة لي، وستتضمن التشكيلة كريمات وأقنعة للعين والوجه دون أيّة مستحضرات تجميل، فأنا أرى أنه يمكن للعناية بالبشرة أن تكون بديلاً عن استخدام مستحضرات التجميل، حيث يجب الاهتمام بالبشرة أولاً قبل إرهاقها باستخدام مستحضرات التجميل، كما سأختار منظمة خيرية لمشاركة الأرباح معها، مما يجعل خط العناية بالبشرة الخاص بي خطوة للمساعدة ورفع مستويات الوعي وليس مجرد مشروع تجاري”.
إذاً هل اختارت عزة تحقيق الشهرة بالعمل كناشطة اجتماعية؟ “لا أعرف حقاً، ولكنني أبذل قصارى جهدي في سبيل قضايا الاستدامة والنسوية والمساواة بين الجنسين، فالكثير من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي يتخذونني قدوة في مجال الأزياء، وهي فرصة لإلهامهم لتغيير الواقع وترك أثر إيجابي بينهم. لذا نعم، أحاول بذل ما بوسعي”.
ويقودنا الحوار للحديث عن المساواة بين الرجل والمرأة. “لا توجد مساواة بين الرجل والمرأة، حتى في أوروبا أو أمريكا، إنهم يحاولون إقناعنا بهذا الوهم، ولكن الأمر مغاير تماماً على أرض الواقع، النسوية لا تعني تفوق المرأة على الرجل، إنها تعني تحقيق المساواة على الأصعدة المهنية والشخصية، فلا يزال الرجال حتى عامنا هذا يتقاضون أكثر من النساء في المجالات ذاتها، وهذا غير منطقي”.
وفي ختام المقابلة، تتحدثت عن الوباء الذي ما زال يلقي بظلاله على العالم، حيث تعبر عزة عن تفاؤلها بالعام الحالي ضاحكة: “تغمرني مشاعر إيجابية حيال هذا العام، بفضل العديد من المشاريع الكبيرة التي تنتظرني، وأعتقد أنه سيحالفني الحظ هذا العام بالتأكيد”. وتوجه رسالة تشجيع للفتيات اللاتي يرغبن بدخول هذا المجال: “أنصح كل عارضة جديدة بعدم الاستسلام أو الخوف من هويتها العربية، بل العمل لإثبات قوتها وكفاءتها. أنا فخورة للغاية بهويتي العربية، فنحن شعب يتمسك بحضارته وتقاليده، ولكننا منفتحون في الوقت نفسه. ونحن نساء مجتهدات، يمكننا أن نكون عارضات أزياء أو راقصات أو ممثلات، فالأمر لا يتعلق بجنسية الشخص، إنما يتعلق بحريته وهويته الفردية كإنسان”. كلمات تجسد حكمة المرأة.

المصدر : مجلة هاربرز بازار العربية

التعليقات مغلقة.