كيف يمكن أن تؤثر السلبية على العلاقة العاطفية؟

يعتبر وعد العيش معا في السراء والضراء من عهود الزواج التقليدية التي تقوم على تناظر رائع. ولكن الحب ليس تناظريا، ولا يدرك معظمنا أنه قد يكون غير متساو. وفي الواقع ما يهم في الزواج هو الفترات الصعبة أكثر من فترات الرخاء، وينطبق الأمر ذاته على أي علاقة أخرى. هكذا تنشط أدمغتنا.

تتغير أفكارنا ومشاعرنا بفعل ما يسميه الباحثون تأثير السلبية، وهو الميل إلى الاستجابة إلى الأحداث والمشاعر السلبية بشكل أقوى من تلك الإيجابية. فعندما نسمع خليطا من الثناء والنقد، فإننا نركز على النقد بدلا من الاستمتاع بالمديح.

يسمى هذا الاختلال في التوازن أيضًا بالانحياز للسلبية، وقد تطور في الدماغ لأنه كان يبقي أسلافنا منتبهين للتهديدات المميتة، ولكنه يغير عادةً منظورنا وسلوكنا. ونتيجة لذلك، يمكن لخلاف بسيط أن تكون له عواقب مدمرة عندما تطغى الطاقة السلبية على حكمك، وتدفعك إلى فعل أمور تزيد من إقصاء شريكك.

في العلاقات، يؤدي تأثير السلبية إلى تضخيم أخطاء شريكك، سواء الحقيقية أو المُتخيلة، بدءا من جحوده، وذلك لأنك أنت أيضا منحاز بسبب الثقة الزائدة الداخلية التي تضخم بدورها من نقاط قوتك. يدفعك ذلك إلى التساؤل حول مدى أنانية شريكك وعدم قدرته على رؤية فضائلك، وكل ما فعلته من أجله. ولعل ذلك ما يجعلك تفكر في أحد أكثر أسرار الحياة إثارة للسخط: لماذا لا يقدرني؟

لدينا بعض الإجابات عن هذا النوع من التساؤلات بفضل علماء النفس الذين يتتبعون مدى سعادة الأزواج. وبناء على تقييمات الأزواج لرضاهم، توصل علماء النفس إلى أن الزيجات في الغالب لا تتحسن، وعادة ما تتراجع معدلات الرضا بمرور الوقت. ولا يُعرّف الزواج الناجح بناء على مدى تحسنه وإنما بناء على تجنب التدهور.

لا يعني ذلك أن الزواج نوع من التعاسة. عادة ما يتلاشى الانبهار بين الثنائي تدريجيا، فتصبح النشوة التي كانت تجمع بينهما في البداية غير قادرة على مساعدتهما على الاستمرار على مر العقود، لكن معظم الأزواج يجدون مصادر أخرى للشعور بالطمأنينة ويبقون راضين بشكل عام (ولكن ليس بنفس القدر الذي كانوا عليه في البداية). ولكن، قد يكون تراجع الرضا حادا لدرجة القضاء على الزواج. ومن خلال مراقبة كيفية تفاعل الأزواج ومتابعتهم على مر الوقت، طور الباحثون نظرية لانهيار العلاقات.

تخيل أنك تواعد أحدهم وأنك ذلك الشخص فعل شيئا أزعجك. ربما شريكك شخص مبذّر، أو يغازل صديقاتك، أو يفقد التركيز عندما تكونين بصدد إخباره بقصة ما. فكيف يمكن الرد على ذلك؟

– غض الطرف عن ذلك على أمل أن تتحسن الأمور.
– شرح ما يضايقك والعمل على إيجاد حل وسط.
– العبوس والتزام الصمت، لكنك تنسحب عاطفيا عن شريكك.
– إيجاد مخرج والتهديد بقطع العلاقة أو الشروع في البحث عن شريك آخر.

استعملت هذه الأجوبة لصياغة قالب استخدم في دراسة كلاسيكية حول كيفية تعامل الأشخاص الذين يتواعدون مع المشاكل. حدد علماء النفس في جامعة كنتاكي إستراتيجيتين عامتين، إحداهما بنّاءة والأخرى هدّامة، حيث قد تكون كل واحدة منهما إما سلبية أو فعالة. تبدو الإستراتيجية البنّاءة معقولة ومثيرة للاهتمام، لكنها لا تكتسي أهمية كبيرة. فالحفاظ على الإخلاص السلبي ليس له تأثير ملحوظ على سير العلاقة، في حين أن العمل على إيجاد حل لا يساهم في تحسين الأمور كثيرا.

ما يهم هو الأمور السلبية، حيث توصل علماء النفس إلى أن “الأمور البنّاءة التي يفعلها الشركاء أو قد لا يفعلونها لبعضهم البعض تحدد ما إذا كانت العلاقة ستستمر بنفس قدر الأمور الهدامة التي يفعلونها أو يتجنبونها كاستجابة للمشاكل”. بعبارة أخرى، عندما تبقى مع شريكك، فإنه لا يلاحظ وفاءك حتى. ولكن عندما تنسحب بصمت أو تصدر عنك تهديدات غاضبة، يمكن أن يمثل ذلك بداية دوامة انتقام كارثية.

أوضحت كاريل روزبالت، التي تترأس الدراسة، أن “السبب الذي يفسر كون العلاقات طويلة المدى صعبة هو أنه عاجلا أم آجلا سيكون أحد الطرفين عرضة لأن يكون سلبيا لفترة طويلة، لدرجة أن الطرف الآخر سيبدأ بالرد بطريقة سلبية أيضًا. عندما يحدث ذلك، سيكون من الصعب إنقاذ العلاقة”.

إن السلبية مرض لا يمكن التخلص منه وهو معد إلى حد كبير. وقد توصّل باحثون آخرون إلى أنه عندما يُطلب من الشركاء التفكير بشكل منفصل في علاقتهم يقضون الكثير من الوقت في التفكير في الأمور السلبية أكثر من الإيجابية. وحتى يتمكن الثنائي من خوض الصعاب، عليهما إيقاف دوامة السلبية قبل أن تبدأ.

في دراسة حول عمليات التكيف في العلاقات الحميمية، شملت أزواجًا من بنسلفانيا الوسطى، أجرى علماء مقابلات مع هؤلاء الأزواج خلال السنتين الأوليتين من الزواج، وصنفوا الجوانب الإيجابية والسلبية للعلاقات. كان بعض الأشخاص يكنون مشاعر متناقضة أو عدوانية تجاه شركائهم لذلك كانوا ميالين إلى الطلاق بسرعة، بينما أظهر معظم الأزواج محبة متبادلة واحتفلوا بذكرى زواجهم عدة مرات.

لكن بعد عقد، تبين أن عددا من الأزواج الذين كانت تجمعهم “مشاعر محبة طائشة تقريبا” انفصلوا. أما بالنسبة لأولئك الذين استمر زواجهم لفترة طويلة، فإن الشغف مكنهم من تجاوز الزلات والخلافات على المدى القصير، لكن تلك المشاعر الإيجابية لم تكن قادرة على جعل الزواج يستمر إلى الأبد. ففي الحقيقة، إن طريقة التعامل مع الأمور السلبية مثل الشكوك والإحباط والمشاكل هي التي تنبأت بما إذا كان الزواج قادرًا على الصمود.

تؤثر السلبية على الأزواج اليافعين بشكل كبير، ما يجعلها من بين الأسباب التي تجعل الأشخاص الذين يتزوجون في مرحلة مبكرة من حياتهم أكثر عرضة للطلاق مقارنة بأولئك الذين يؤجلون الزواج.

في حين أن بعض الأزواج أفضل حالا بعد الانفصال، فإن الكثيرين يميلون إلى إنهاء علاقات كان يمكن أن تنجح. وقد اندهش الباحثون الذين عملوا على هذه الدراسة من حقيقة أن بعض العلاقات تنهار حتى في غياب أسباب واضحة. لاختبار هذه النظرية، استقدم عالما النفس ساندرا موراي وجون هولمز ثنائيات إلى مختبر وقدّم لهم مجموعة من الاستبيانات ليجيبوا عنها بينما يجلسون على طاولات نظمت بشكل يجعل كل ثنائي يجلس عكس الآخر، حيث يجيبون على الأسئلة ذاتها التي يشرحها لهم الباحثون. وكان من المهم ألا يتواصل أي منهم مع الآخر بأي شكل من الأشكال، علما بأن الاستبيانات كانت في الحقيقة مختلفة بين المجموعتين.

عندما سئلت المجموعة الأولى من الأزواج عما يكرهونه في شركائهم، ذكروا عددا من الصفات على الرغم من أنه تم إخبارهم بأنه يمكن الاكتفاء بصفة واحدة فقط. كان أولئك الذين يتواعدون في المتوسط لمدة سنة ونصف أقل تشكيا وراضين بشكل كبير عن العلاقة. وقد ذكروا صفات سلبية قليلة بشأن شركائهم. أما النصف الآخر فقد منحوا مهمة مختلفة، وهي تعداد كل ما يملكونه من أغراض في المنزل.

خلال هذه الدراسة، شعر الأشخاص الذين كان تقديرهم لذواتهم عاليا بالقليل من التهديد لكن سرعان ما تخلصوا من ذلك الشعور لأنهم كانوا على يقين كاف من أن شركاءهم يقدرونهم. أما الأشخاص الذين كان تقديرهم لذواتهم متدنيا كانت ردة فعلهم قوية تجاه الانتقادات المفترضة.

لا يدرك معظم الأشخاص تأثير السلبية على علاقاتهم. وعندما سأل روي بوميستر، أحد مؤلفي هذه الدراسة، طلابه لماذا يظنون أنهم شركاء جيدون، ذكروا صفات جيدة مثل التفهم والوفاء والذكاء وحس الدعابة. صحيح أن هذه الأمور من شأنها أن تحدث الفرق، لكن الأهم هو تجنب السلبية. إن القدرة على إمساك لسانك بدلا من التفوّه بأمور بغيضة وجارحة يؤثر على العلاقة أكثر من الأفعال أو الأقوال الجيدة.

التعليقات مغلقة.