كيف ينظر المجتمع إلى المرأة المطلقة؟

المرأة المطلقة في مجتمعاتنا العربية إما أنها كابوس مزعج للنساء المتزوجات أو أنها امرأة سيئة الطباع وصعبة المراس ولذلك طلقها زوجها بل قد يصل الأمر إلى درجة اتهامها في أخلاقها عندما تحاط سلوكياتها بالكثير من الشكوك والتساؤلات على اعتبار أنها أصبحت تلك المرأة الخبيرة بخفايا الحياة الجنسية والمدركة لمتطلبات الجسد، أما أهل الأسرة وعائلتها المقربة فهي تمثل في الغالب عالة عليهم وحملا إضافيا ثقيلا ولاسيما إذا كان لديها أطفال، فلماذا هذه النظرة من المجتمع إلى المرأة المطلقة؟ وما هي الخلفيات الكامنة وراء هذه الصورة السلبية لها في مجتمعاتنا؟ وما هي أسباب الاختلاف في نظرة المجتمع الطبيعية إلى المطلقة في الثقافة العربية؟

ان المجتمع العربي يعاني بأكمله من جملة من الموروثات والعادات الشعبية رغم هشاشتها المنطقية و التي تتمظهر اساسا حول نظرة الرجل إلى المرأة وتعدها درجة دونية عاى جميع المستويات الاقتصادية و الدينية و الثقافية و الاجتماعية و سياسية، وتصفها كائناً ضعيفاً خانعاً وتابعاً تحت رحمة غيره، وهذه في الحقيقة نابعة من كون سلطة الرجل هي الغالبة في كل مجالات الحياة حتى داخل الأسرة لذا تسمي مجتمعاتنا أو تتصف بالذكورية من هذا الواقع والنظرة التاريخية جاءت نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة كونها كيانا مستلباً وفاقدا أهليته وكأنها سلعة مستعملة غير مرغوب فيها، كما أن حظوظ زواجها ثانية تكون ضعيفة، لأن الرجال عادة يبحثون عن البنت البكر وصغيرة السن، وبالتالي فهي لا تصلح زوجة المستقبل وينظر إليها بازدراء ودونية وكأنها ارتكبت جرماً على الرغم من أن الحياة تطورت وتغيرت في الكثير من المفاهيم وأخذت المرأة مجالاتها في شتى نواحي الحياة وأسهمت الرجل معها، ولكن تبقى هذه النظرة القاصرة والجاهلية المسمار الكبير في نعشها طالما بقيت عقلية الرجل تقبع في دهاليز القرون الوسطى.

ان طبيعة المجتمع تؤثر تأثيراً سلبيا في رأي الفرد، واحتياجاته، ورغباته، وسلوكه، وتعبيره، وخاصة المرأة المطلقة على الرغم من إنها إنسانة قد تعرضت للظلم، أو كان طلاقها نتيجة عدم فهم أو ظروف مادية، وغيرها من الأسباب الكثيرة فهي لم تكن تعتقد بأنَّ طلاقها أعظم من خسارة رجل، كانت تحلم بأن تعيش معه حياةً زوجيَّةً سعيدة ملؤها الحب والتفاهم، وأنَّها ارتكبت جريمة تُعاقِب عليها محكمة المجتمع، وعليها أن تتطهَّر منها ما تبقّى لها من سنوات عمرها، وتضمِّد جِراحٍها فلا تَفْتَر تنزِفُ حتّى تَنْزِح عروقُها من دمائِها، كما تنزح البئر من مائِها، وتُلَمْلِمُ أوراق ذكرياتِها، فلا تستريحُ نَفْسُها من زَفَراتِها وأوجاعها وأحزانها.

فهناك من حَكَم عليها بأن تعيش النِّهاية وتَشْهَد غروبَها، أيّاماً تُداوِلُها كئيبة، تراودها الخواطر كأَّنها كوابيس أحلامٍ مزعجة، تصيبها بالقلق والاكتئاب النَّفسي، فتفقد نشاطَها وحيويَّتَها وطاقَتها، وتفقد ملامِحُها نضارتَها، وتصير شاحبةً كشحوب أوراق الخريف قبل أوان الخريف، تتوهَّم أنَّ دورة حياتِها انقَضَت أيّامُها وساعاتُها، فتظلُّ تلهث بين آمالِها وآلامِها، تصارع لكي تعيش فلا تنسلَّ روحها من ضعفها .فماذا تقول لمحكمةٍ أدانَتْها، وألقت بها في زِنزانة المجتمع لتقاسي أبشع أنواع التَّعذيب النَّفسي والجسدي لأنَّها مطلقة؟

ماذا تقول ولا تملك في جعبتها أجوبة برائتِها، فتظلُّ حبيسةً على أطراف لسانِها تمتماتٍ خرساء من عجزها ؟
ماذا تقول والأصواتُ تعلو صرخاتٍ بداخِلها، تثورُ على ظلمِها وجورِها لحقوقِها؟
ماذا تقول وفي كلِّ يومٍ تفقد من ذاتِها، ونفسِها، ودمِها، وروحِها، وجسمها، وهويَّتِها، وتاريخِها، وآمالِها وأحلامها ..؟

إن سبب احتمالية نظرة المجتمع إليها نظرة سلبية يعتمد على ثقافة الشخص نفسه ومدى وعيه في تقبل واقع المرأة في المجتمع العربي عموماً.، فالشخص الناضج المثقف لا ينظر إليها نظرة سلبية من جانب واحد من حياتها، وإنما ينظر إلى جميع الجوانب. التخلف والجهل هما الرئيسيان لنظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة نظرة سلبية ويجعلها تعاني من ضغوطات معنوية ونفسية.

ولكن المجتمع لا يرحم هذه الإنسانة التي ربما لو كانت الظروف مناسبة لها قد لا يحدث الطلاق، وان حدث فقد يكون المسئول عنه الرجل، وبالتالي فان نظرة المجتمع الضيقة تجعلها هامشية وغير فاعلة وبعيدة عن فكرة الارتباط برجل ثاني وتكوين أسرة سعيدة، إذ قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) صدق الله العظيم.
فعلى شبابنا أن يغيروا من نظرتهم لتلك للفتاة المطلقة، فقد كرم الإسلام المرأة ورفعها ما لم يحققه لها أى دين آخر ولا شريعة أخرى من الشرائع، وقد قال فى ذلك الإمام محمد عبده وقد درس الكثير من علم أحوال البشر ومقارنا بين أحوال المرأة ووضعها فى التشريع الإسلامى ووضعها فى أوروبا التى زارها وعرف الكثير من أحوالها فيقول: (هذه الدرجة التى رفع الإسلام النساء إليها لم يرفعهن إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع بل لم تصل إليها أمة من الأمم قبل الإسلام ولا بعده).ليس بالضرورة أن ينظر المجتمع ككل إلى المرأة المطلقة نظرة سلبية، فهناك الكثير من أفراد المجتمع ينظر إليها نظرة ايجابية وبكل احترام وتقدير لأن فشلها في الحياة الزوجية لا ينعكس على مفاصل الحياة كافة، وأحيانا قد يكون الرجل هو السبب في هروب المرأة من عشه الزوجي وفشل حياتهما.
وأخيرا أقول: قد تفشل المرأة اجتماعيا لكنها تنجح في الجانب السياسي أو الثقافي وجوانب أخرى كثيرة.

في نظري الشخصي ليس كل امرأة مطلقة هي السبب وراء طلاقها فبعد الطلاق مباشرةً، تقع عليها موجة من التنظير بأنّها كان يجب أن تستر على شوائب الزوج و تبقى في علاقة الزواج هذه. الطلاق هو حالة وممكن أن يكون سببها الطرفيْن وليس طرفاً واحداً فقط. والحياة الزوجية مليئة بالأسرار ولا احد يعرف عنها شيئا، ويشك في قدرات المرأة العقلية ويحرمها من حقوقها الأساسية ويضع اللوم دائما عليها وخاصة مسألة الطلاق.

إنَّها لا تملك إلاّ أن تعيش معاناتها بمفردها، ولأنَّها المرأة عليها أن لا تشتكي من حياتها، ولأنَّها الزوجة عليها أن تتحمَّل كل أخطاء زوجها وسلبيّاته، وكلَّ سَقَطاتِه وزلاّتِه، وكلَّ تقصيره وجفائه وقسوته، وكلَّ ما تكرهه من عاداتِه وطِباعِه، وكلَّ ما يؤذيها من قهره وظلمه لحقوقها، ولأنَّها الأم المربية عليها واجب التَّربية والرِّعاية لأطفالها، والتَّضحية لأجلهم براحتها وسعادتها، ولأنَّها السَّكن عليها أن تهب لبيتها الدِّفء والحنان والمودّة والرحمة ..وحتّى وإن حرمت من كلِّ ذلك من زوجها، أو تعبت أو انهارت أو استسلمت لضعفها وانكسارها، عليها أن تصبر وتكافح وتستمر حتى النهاية.

إنَّها بكلِّ حالاتها ليس من حقِّها أن تتخلّى عن واجبها ومسؤوليتها، أو تملَّ من صبرها وكفاحها، وتطلب الطلاق، أو تكون سببًا من أسبابه، وإلاّ سيتَّهمها أهلها وأسرتها والناس بأنَّها ظالمةٌ لزوجِها، وبأنَّها إنسانةٌ سلبيَّة، لا تتحمَّل مسؤوليَّة الزواج وأعبائِه وتبِعاتِه، أو هي لا تدركُ معانيه ومقاصده، أو لا تحسنُ تدبير شؤون بيتها، وإدارة أسرتها وإسعاد زوجها.

إن المرأة المطلقة في المجتمع دائما هي (المدانة) ويحكم عليها بالأمور السلبية وفي بعض الأحيان يكون الحكم خاطئا لان زوجها هو السبب نتيجة تصرفاته السلبية داخل البيت مثل انفعالاته وتسرعه في حسم الأمور مما يولد ضغوطا نفسية لدى زوجته بمرور الأيام والسنين فتطلب منه الطلاق.

و هناك الكثير من النساء يطلقن بعد عقد المهور لمدة زمنية قصيرة أو طويلة أي قبل دخولهن القفص الذهبي، فتعد تلك المدة اختباراً للشريكين يعرف احدهما طبائع وميول ورغبات الآخر، وهناك نساء طلقن وقد مضى على زواجهن سنوات طويلة.

وأخيرا أريد أن أقول: إن التخلف والجهل هما السببان الرئيسان لنظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة نظرة سلبية ويجعلها تعاني من ضغوطات معنوية ونفسية من طرف المجتمع. وقبل أن نتهم المرأة المطلقة علينا أن نسأل أنفسنا ماذا قدَّمنا لها لنحميها وندافع عن حقوقها؟ وماذا قدَّمنا لها لتوعيتها وإرشادها؟ ولْتكن غايتنا ليس التَّرويج للطلاق، فهو أبغض الحلال عند الله، ولكنَّه الحلال الذي أحلَّه الله، والحلُّ الذي وضعه الشارع للرجل وللمرأة حين تستحيل العشرة بينهما.

وغايتُنا تحسين صورة المطلقة داخل المجتمع، وصرف الإشاعات والظُّلم عنها، حتى تستطيع أن تحيا حياةً كريمة . و أن نتحمَّل مسؤولية تقصيرنا في مواجهة مشاكلنا، ونسعى لتصحيح ما نراه من أخطائنا وسلبياتنا بمجتمعاتنا، ونعمل على تغيير نظرتنا ومفاهيمنا الخاطئة، وعاداتنا وتقاليدنا وطباعِنا السَّيِّئة التي لا أصل لها من شريعتنا، ونحاكم أنفسنا قبل أن نحاكم غيرنا، ونعتلي منصة القضاء ونصدر الأحكام من غير أدلة ولا شهود ولا دفاع.

ويبقى دور الأهل في التقليل والتخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية، من خلال مساندة المطلقة معنوياً ومادياً، ،مع ضرورة احتوائها نفسياً وعاطفياً بالتفاهم والحنان والحب حتى تتمكن من إعادة ترتيب أوراقها، وهو الأساس الذي تحتاجه لتنهض من جديد أشد قوة وأمضى عزماً ، إضافةً إلى ضرورة تفهم الوالدين والأسرة لابنتهم المطلقة، ومعاونتها لتعيد صياغة حياتها من خلال الدراسة أو العمل، ولهذا فأرجو أن يعطى شبابنا و شاباتنا المرأة المطلقة فرصة أخرى للحياة الشريفة والكريمة ولا ننظر للماضى ولا نتكلم فيه ولا نعايرها به عند الاختلاف فى الرأى أو عند حدوث المشاكل الزوجية بل نستفيد منه ومن تجاربه ولا نكرر هذه الأخطاء مرة أخرى، ونحاول بناء أسرة جديدة قوامها الحب والعطف والمودة والرحمة كما أمرنا الله تعالى بذلك قال تعالى : وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21) الروم. فالدعم النفسي والمجتمعي هو أول ما تبحث عنه المطلقة بعد فشل حياتها الزوجية، فهذا هو السبيل الوحيد للخروج من حالة اليأس والإحباط، والحزن الشديد الذي قد يدفع بعضهن إلى الزواج بأول رجل يطرق الباب.

اننا نحتاج ان نعيد فهمنا لنظرة الإسلام للمرأة ولمكانتها داخل المنظومة الاجتماعية، وكنواة داخل أسرتها، ولأدوارها ووظائفها، كما نحتاج لتصحيح نظرتنا للطلاق ولماذا أحلّه الله، حتّى نقدر أن نعالج الكثير من قضايا المرأة ومشاكلها، لنؤهِّلها لتكون مربية الأجيال القادمة وحاملة الرسالة التقدم الازدهار لأمتنا.

التعليقات مغلقة.