هل الإستدامة صيحة مصيرها الزوال أم إصلاح للموضة؟

تعد ’الموضة السريعة‘ إحدى أكثر الصناعات تلويثاً للبيئة، بل ويقال إنها تحتل المرتبة الثانية بعد صناعة النفط. فالظهور بإطلالات أنيقة (بصفة مستمرة) يضع ضغطاً هائلاً على موارد الأرض ما يتسبب في زيادة انبعاثات الكربون، واستهلاك المياه، وإطلاق المواد الكيميائية الضارة، والنفايات. وخلال العام الماضي، تحولت فكرة الاستدامة في صناعة الموضة من موضوع هامشي إلى اتجاه واسع الانتشار، ومن كلمة رنّانة تستخدمها العلامات للدعاية والتظاهر باهتمامها بالبيئة إلى صحوة لم يكن الكثيرون يعلمون بأنهم كانوا في أمسّ الحاجة إليها. ولأن جيلاً جديداً من المستهلكين الواعين رفعوا سقف معاييرهم، سيصبح مطلبُ الاستدامة الواقعَ الجديد وليس مجرد كلمة رنّانة تتفاخر بها العلامات.

حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانت الملابس تخاط يدوياً، وحين ظهرت ماكينات الخياطة خلال الثورة الصناعية، أصبحت صناعة الأزياء على حين غرة أسرع وأقل تكلفة. وفي أوائل التسعينيات، أسهمت العولمة وظهور العلامات القوية المتخصصة في إطلالات الشارع -مثل ’إتش آند إم‘ و’زارا‘ و’توب شوب‘- في تحويل الموضة إلى متعة غير ذات قيمة، وكان لذلك عواقب وخيمة. فما أن تظهر فكرة على منصة الأزياء حتى يعاد إنتاجها بسرعة وبتكلفة أقل، ما غيّر ليس فقط مشهدَ الموضة بل ووجه كوكب الأرض أيضاً؛ فقد جفّ بحر آرال الواقع بين كازاخستان وأوزبكستان، والذي يعد رابع أكبر بحيرة في العالم، بسبب زيادة الطلب على القطن الذي يُزرع حوله، والذي يحتاج إنتاج كيلوغرام واحد فقط منه إلى ما يصل إلى 20 ألف لتر من المياه. كما أصبحت ’الأزياء السريعة‘ مرادفاً للعمالة الرخيصة، والمصانع المستغلة للعمالة غير المنظمة، وظروف العمل السيئة. وحالياً، يتم إنتاج نحو 150 مليار قطعة أزياء سنوياً (رغم أن عدد سكان هذا الكوكب يبلغ نحو 7.5 مليار شخص فقط)، وبحلول عام 2030 من المتوقع أن يرتفع الطلب على الأزياء الجديدة بنسبة 63%.

ولم يَحُل ذلك دون ظهور محاربين يقاتلون بشراسة في سبيل صناعة أزياء تتصف بالعدل والنزاهة طيلة هذه الفترة. فقد ناصرت المصممةُ ستيلا مكارتني مبادئ الفخامة المستدامة ومارستها منذ أن أطلقت علامتها عام 2001، ووضعت معايير بيئية منها استخدام خامات صديقة للبيئة مثل البوليستر المعاد تدويره، والقطن العضوي، والكشمير المعاد إنتاجه. وتعد علامتها أول علامة خضراء فاخرة تستخدم منذ أمد خامات من مصادر غير حيوانية في صناعة أحذيتها وحقائبها، فشكلت بتصاميمها الجادة والخالدة سابقة للأزياء ومنتجات الموضة الواعية التي تبدو جميلة فعلاً. ولطالما كانت ڤيڤيان ويستوود أيضاً رائدة في الممارسات الصديقة للبيئة، إذ قلصت عدد عروضها ومجموعاتها لتقليل النفايات. وأكدت: “ستكون الغلبة في المستقبل للجودة لا للكم. وكلما كان الكم أقل كان أكثر استدامة”. كما تملك علامة ’ماذر أوف بيرل‘ البريطانية، التي أُسست عام 2001، سلسلة توريد شفافة بالكامل، وتحرص على إظهار السمات المستدامة لكل قطعة تعرضها على موقعها الإلكتروني للجمهور قبل النقر لطلب الشراء.

“ستكون الغلبة في المستقبل للجودة لا للكم. وكلما كان الكم أقل كان أكثر استدامة”

وقد شهدت حركة الاستدامة تحولاً ممنهجاً العام الماضي، فقد سارع العديد من اللاعبين على الساحة الدولية إلى المشاركة في مباحثات الاستدامة. ولعله بسبب الحرائق الشديدة التي اندلعت في أنحاء الأمازون، وكاليفورنيا، وأخيراً في أستراليا، أو بسبب الكلمة المؤثرة التي ألقتها الناشطة السويدية اليافعة غريتا ثونبرغ، أصبحت الاستدامة الآن روح العصر. فقد أعلنت ’غوتشي‘ أنها طبقت مبدأ محايدة الكربون على سلسلة توريداتها بأكملها، فيما كشفت مجموعتا ’إل ڤي إم إتش‘ و’كيرينغ‘ عن خططهما للانتقال نحو الكربون المحايد، وأصبحتا تتنافسان فيما بينهما على مَن تكون الأكثر مسؤولية. كما تعهدت ’برادا‘ بأن تكون حقائبها المصنوعة من النايلون من نسيج مُجدد بحلول عام 2021، وكذلك أعلن كانييه ويست عن عزمه إنشاء مزارع في ولاية وايومنغ الريفية لزراعة القطن والقمح والقنب مائياً من دون تربة بدلاً من شحن الأقمشة من الخارج لتحويل علامته ’ييزي‘ إلى علامة أكثر استدامة.

كما تحدث المزيد من المصممين خلال عروض ربيع وصيف 2020 عن نشاطهم لتقليل آثارهم الضارة على البيئة. فقدمت ماريا غراتسيا كيوري عرض ’ديور‘ وسط أشجار أُعيد استخدامها فيما بعد في مشاريع مستدامة في جميع أنحاء باريس، وظهرت العارضات وقد جمعن شعرهن في ضفيرتين على غرار تسريحة ثونبرغ. وصرحت كيوري: “أؤمن بأنه في كل ما يتعلق بالموضة، من الضروري تحمل مسؤولية جعل الاستدامة جزءاً لا يتجزأ من عمليات الإبداع والإنتاج والتوزيع. وقد بلغ مفهوم الاستدامة في الدار مستويات عدة، والتعامل معه كان مرضياً لي أنا شخصياً، لأنه يعني محاولة فهم مدى إمكانية دار عريقة وبارزة مثل ’ديور‘ في أن تكون وثيقة الصلة بالعالم المعاصر، وفوق كل هذا، أن تكون جزءاً من حركة مستقبلية بنّاءة”.

كما تعهدت علامات أحدث وأصغر حجماً خلال موسم ربيع وصيف 2020 بالوفاء بالتزامات ضخمة سعياً منها للتغيير. وقد عملت مصممة الأزياء الجاهزة القادمة من أوروغواي، غابرييلا هيرست، على صناعة أزياء عصرية حديثة بمفهوم مستدام منذ عام 2015. وفي 2020 أصبحت شركتها خالية تماماً من البلاستيك ولا تستخدم في تعبئة منتجاتها سوى مواد قابلة للتحلل وقادرة على التفكك إلى عناصر طبيعية. وبادرت العلامة الدنماركية ’ستاين غويا‘، التي أطلقت مجموعة محدودة الكمية مصنوعة بنسبة 100% من خامات مستدامة في العام الماضي، بوضع سياسة مستدامة تفرض عليها إعادة تقييم نشاطها التجاري بالكامل من التصميم حتى الإنتاج، ومن تجارة التجزئة إلى المسؤولية الاجتماعية، حتى باتت تستخدم الآن الخامات المستدامة في مجموعاتها الرئيسية. وأوضحت مؤسستها ستاين غويا: “نعلم أننا لا يمكننا تغيير علامتنا بين عشيّة وضحاها، ولكننا ملتزمون باتخاذ خطوات حاسمة لجعله ممكناً في المستقبل غير البعيد”.

“مفهومنا عن الفخامة اختلف تماماً عن الماضي. فقد أصبحنا نفكر الآن في تلبية مطالب الضمير الأخلاقي”

وقد كشف موقع ’أناس‘ الإلكتروني لتسوق المنتجات الفاخرة في المنطقة بأنه في العام الماضي قدم منتجاته في عبوات صديقة للبيئة، وفي موسم ربيع وصيف 2020 أطلق باقة باسم ’خطوات مستدامة‘ تجمع تحت مظلتها العلامات التي تلبي مجموعة من الإرشادات والمعايير الخاصة بالإنتاج والبيئة والمسؤولية الاجتماعية. وأوضحت كبيرة مسؤولي المشتريات هايلي ماكغريغور: “لأننا منصة تجزئة، فإننا نتحمل مسؤولية المساهمة في إقامة بيئة واعية ودعم العلامات التي تتبنى هذه الممارسات البنّاءة بمنحها منصة”. وقد أضاف الموقع 12 علامة مستدامة في الموسم الجديد، منها ’ستاين غويا‘، و’ماذر أوف بيرل‘، و’نانوشكا‘.

وقد شهد الشرق الأوسط طفرة في عدد العلامات الساعية نحو الوعي الأخلاقي، منها علامة المصمم روني الحلو الذي يجلب أقمشته من المخزون القديم والراكد للمساهمة في تقليل النفايات. ويوضح مصمم الأزياء الجاهزة المقيم في بيروت، الذي التقط صور حملته لخريف وشتاء 2019 في مطمر للنفايات: “أحاول أن أستخدم منصة العلامة في الترويج للاستهلاك الواعي ونشر الوعي بالأضرار البيئية والاجتماعية التي تسببها صناعة الموضة”. كما تتعاون علامة ’أباديا‘ السعودية للأزياء النسائية مع 40 حرفية من جميع أنحاء المملكة يستخدمن التقنيات التي تشتهر بها المنطقة والتقنيات الحرفية لصناعة قطع أساسية من ’الأزياء البطيئة‘ والمحافظة على التقاليد الثقافية. وتقول مؤسسة العلامة شهد الشهيل: “ندرك أن الحرف التقليدية ترتبط بطبيعتها بالثقافة، ونقدر كعلامة تجارية المعرفة وحكايات الحرفيات اللواتي يمارسنها. ولسوء الحظ، وضعت سرعة الإنتاج الضخم وكفاءته الكثير من الحِرَف التقليدية في دائرة الخطر ومن ثم بدأت في الاختفاء. وتتمحور مهمتنا في الحفاظ على هذه الحِرَف وتوفير دخل مستدام للحرفيات”.

ولكن بعد أن صارت المناقشات حول الاستدامة أكثر شيوعاً، أصبح من الصعب تبيّن ما إن كان هذا الإيثار الذي تبديه العلامات صادقاً أم أن الاستدامة مجرد واجهة لامعة للاستهلاك الذي لا يهدف سوى لإشباع رغبة التباهي والتفاخر. ورغم أن العديد من العلامات الفاخرة امتنعت عن استخدام الفراء، إلا أن الفراء الاصطناعي نفسه يُصنع عادة من البوليستر، الذي يُنسج من البلاستيك، وقد يستغرق تحلله أكثر من 1000 عام. وهذا ينطبق أيضاً على الجلد النباتي الذي رغم أنه لا يضر بالحيوانات، إلا أنه يظل ضمن جبهة الأعداء في الحرب على البلاستيك. ولا تعد مجموعات التيشيرتات المصنوعة من القطن العضوي سوى قطرة في المحيط إذا ما نظرنا إلى مدى تحقيقها لمبدأ الاستدامة، فلا زالت تشحن جواً لتصل إلى المشترين في أنحاء العالم. كما تدعم صناعة الموضة الاستهلاك المفرط بتشجيع تلك الدورة التي لا تنتهي من الصيحات الجديدة، إلا أن هذا المسار الذي اتخذته نحو بيئة أكثر وعياً يمثل بداية قوية لها. وفي الوقت نفسه، قد تتمكن مواقع إعادة بيع الأزياء الفاخرة والقديمة مثل ’ذا رييل رييل‘ و’ڤستيير كولكتيڤ‘ من أن تروي شغف المستهلكات بكل ما هو جديد. وقد قال جون غاليانو مازحاً بعد العرض الذي قدمه لعلامة ’ميزون مارجيلا‘ لربيع وصيف 2020: “مفهومنا عن الفخامة اختلف تماماً عن الماضي. فقد أصبحنا نفكر الآن في تلبية مطالب الضمير الأخلاقي”. وتصديقا لافتراضه هذا، أصبحت المستهلكات اليوم يشترين وفقاً لهذه الأخلاقيات. وهنا تكمن القوة المحركة للموضة المستدامة.

التعليقات مغلقة.